ابن أبي الحديد

10

شرح نهج البلاغة

وقد يقع الاخبار عن الغيوب لأصحاب زجر الطير والبهائم ، كما يحكى عن بنى لهب في الجاهلية ( 1 ) . وقد يقع الاخبار عن الغيوب للقافة ، كما يحكى عن بنى مدلج ( 2 ) . وقد يخبر أرباب التبخيرات وأرباب السحر والطلسمات بالمغيبات . وقد يقع الاخبار عن الغيوب لأرباب النفس الناطقة القوية الصافية التي تتصل مادتها الروحانية على ما تقوله الفلاسفة ، وقد يقع الاخبار عن الغيوب بطريق المنامات الصادقة ، على ما رآه أكثر الناس ، وقد وردت الشريعة نصا به . وقد يقع الاخبار عن الغيوب بأمر صناعي يشبه الطبيعي ، كما رأيناه عن أبي البيان وابنه . وقد يقع الاخبار عن الغيوب بواسطة إعلام ذلك الغيب إنسانا آخر لنفسه بنفس ذلك المخبر اتحاد أو كالاتحاد ، وذلك كما يحكى أبو البركات بن ملكا الطبيب في كتاب ، ، المعتبر ، ، ( 3 ) قال : والمرأة العمياء التي رأيناها ببغداد ، وتكررت مشاهدتنا لها منذ مد ة مديدة ، قدرها ما يقارب ثلاثين سنة ، وهي على ذلك إلى الآن تعرض عليها الخبايا ، فتدل عليها بأنواعها وأشكالها ومقاديرها ، وأعدادها ، قريبها ومألوفها ، دقيقها

--> ( 1 ) الزجر : الاستدلال بأصوات الحيوانات وحركاتها وسائر أحوالها على الحوادث واستعلام ما غاب عنهم . وبنو لهب : حي في الأزد ، كانوا أزجر العرب . ( 2 ) القيافة قسمان : قيافة الأثر ، ويقال لها العيافة ، وقيافة البشر ، أما العيافة فهو علم باحث عن تتبع آثار الاقدام والأخفاف والحوافر في المقابلة للأثر ، حتى لقد روى أن بعضهم كان يفرق بين أثر قدم الشاب والشيخ وقدم الرجل والمرأة ، والبكر والثيب . أما قيافة البشر فهي الاستدلال بهيئات أعضاء الشخصين على المشاركة والاتحاد بينهما في النسب والولادة وسائر أحوالهما وأخلاقهما وكان بنو مدلج ، وهم بطن في ، كنانة ، من أعلم العرب في قيافة البشر . ( 3 ) هو كتاب المعتبر في المنطق ، لأبي البركات هبة الله بن ملكا البغدادي ، المتوفى سنة 547 ، ذكره ، صاحب كشف الظنون .